الحرب على غزة.. لها ما بعدها

هنا تجد أحدث أخبار وفعاليات الشركة

الحرب على غزة.. لها ما بعدها

د. غازي حمد

إن الحرب التي شنتها قوات الاحتلال على قطاع غزة بكل ما تحمله من معان سياسية وعسكرية سيكون لها الكثير من الاثار والتداعيات على القضية الفلسطينية وعلى واقع الشرق الاوسط برمته.

وبالرغم من مدة الحرب المحدودة إلا أنها حملت في طياتها الكثير من النتائج التي يمكن أن تغير الكثير من المعادلات القائمة في المنطقة خاصة في الصورة الذهنية لدولة الاحتلال وقدرتها على التمترس في مربع التفوق العسكري وقدرتها على ضرب الارادة الفلسطينية في التمسك بحقوقها المشروعة، وكذا الصورة الجديدة للمقاومة الفلسطينية التي رسمت خارطة جديدة وغير معهودة لمواجهة هذا الغول المدجج بالسلاح والدعم الدولي.

(1) هل تتحرك ضمائر المطبعين؟

أول هذه المعاني ان دولة الاحتلال لا تزال قائمة ومتجذرة على منطق العدوان وفرض الحقائق الاحتلالية بالغصب والاحتيال القانوني والتمهيد للمستوطنين ان يتوسعوا في الاراضي الفلسطينية ويستولوا على بيوت المقدسيين وانتهاك حرمات المسجد الاقصى بكل تبجح وغطرسة.

هذا المنطق الاحتلالي العدواني الذي يتحكم في عقلية الزمرة اليمينية المتطرفة في اسرائيل يوهمها انه بالإمكان ان تمارس كل ما يحلو لها دون مقاومة تذكر ودون معارضة في الواقع الاقليمي والدولي.

هذا الذي أغرى نتنياهو أن يمنح المستوطنين والمتطرفين اليهود الصلاحية المطلقة في تجاوز كل الحدود من اجل تغيير هوية القدس وفرض معالم جديدة من خلال اساليب العربدة والزعرنة والتسلح بقوات الاحتلال كحامي لها في كل تصرفاتها.

إن هذا الواقع السياسي الذي تتبناه دولة الاحتلال يجب أن يفتح أعين الذين توهموا ان اتفاقات ابراهام التطبيعية يمكن ان ترسي دعائم السلام في المنطقة وتجمل مفهوم التعايش مع دولة الاحتلال وتسوقها على أنها (دولة شقيقة) في المنطقة، فاذا بهذه الاحداث والوقائع التي جرت في حرب غزة تتحدث بدون كلام ولا بلاغة وتكشف عن الوجه القبيح لإسرائيل, والذي يحمل كل مضامين الكراهية والعنصرية والقتل العشوائي والتدمير الممنهج لبيوت الامنين واستخدام الاسلحة الثقيلة ضد مدنيين عزل.

هل يمكن أن تحرك هذه الصور المرعبة التي تنقل من تحت ركام المباني في قطاع غزة ضمائر هؤلاء الذين فتحوا أذرعهم لدولة الاحتلال وسمحوا لها ان تمارس احتفالاتها في أكبر مبانيهم العربية الاصيلة. وهل يمكن لصور اشلاء الاطفال الذين قضوا تحت القصف الهمجي ان تثير شيئا من شهامتهم في الوقوف الى جانب اخوانهم في قطاع غزة ولو بالكلمة؟؟

إن التطبيع لن يكون سلاما بقدر ما سيتحول الى حالة اختراق للقيم والمفاهيم العربية الاصيلة وتحريف شنيع للواقع السياسي وتجميل صورة اسرائيل القبيحة ولن يجني منه العرب سوى الاوهام التي ستنجلي قريبا عن حقائق مرة وخادعة سيعضون عليها اصابع الندم طويلا.

(2) اسرائيل.. ليست بالوحش الذي لا يهزم

ثاني هذه المعاني, ان اسرائيل ليست الدولة المرعبة المدججة بالسلاح غير القابلة للهزيمة. لقد هُزمت اسرائيل في الواقع والحقيقية بعدما ظهر عجزها في الوقوف امام مجموعات قليلة من المقاومة بأسلحة متواضعة.

إن اسرائيل تستطيع ان تقتل وتدمر وتفعل الافاعيل في قطاع غزة لكن في نهاية المطاف لن تسجل نصرا معتبرا، لان النصر بمقاييسه الحقيقية لا ينطبق على نتائج الحرب التي تقول بوضوح ان الصمود امام الترسانة الحربية الهائلة وضرب المدن الاسرائيلية لأبعد مدى وادخال ملايين الإسرائيليين تحت القصف وحظر التجول يعتبر بحد ذاته نصرا حقيقيا.

إن النموذج الذي فرضته المقاومة الفلسطينية في مواجهة الهجمات الاسرائيلية يشكل ضربة قاصمة للصورة الذهنية التي طبعت في قلوب الكثيرين ان اسرائيل تشكل ذروة التفوق العسكري والتقني الذي لا يمكن التغلب عليه.

إن المتتبع لنهج وسلوك المقاومة الفلسطينية خلال الحرب على غزة يشعرك بمدى الثقة العالية التي تتمتع بها رغم الخسائر الفادحة التي لحقت بالحجر والبشر والممتلكات، كما انه يعطي الشعور القوى بأن المقاومة تمتلك استراتيجية وتكتيكا ذكيا في إدارة المعركة وفي إرباك دولة الاحتلال بأكملها سياسيا وعسكريا، لدرجة ان الكثيرين من المحللين الإسرائيليين أصبحوا يتساءلون عن بنك الاهداف الذي تمتلكه قوات الاحتلال وتتباهى أنها نفذته خلال حملاتها على قطاع غزة.

إن الحقائق والارقام التي صدرت عن جهات محايدة تقول ان غالبية الضحايا من المدنيين الابرياء وأن الاهداف التي قصفتها اسرائيل كانت عبارة عن مبان ومؤسسات تجارية واقتصادية وتعليمية لا علاقة بالصراع القائم. ان اسرائيل تهدف من وراء ذلك كله الى تضخيم فاتورة الخسائر المادية من اجل الضغط على المقاومة لوقف إطلاق الصواريخ.

ليس من باب التباهي والمبالغة القول بأنه يمكن هزيمة اسرائيل وانهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية لو توفرت ارادة حقيقية للمواجهة ووضع حد لغطرستها، وهذا الكلام لا ينطبق فقط على المجال العسكري بل على المجال السياسي الذي يدحض روايات واساطير اسرائيل حول قدرتها على بناء دولة مستقرة ومزدهرة.

(3) أكذوبة المجتمع الدولي

إن مسار الحرب كشف بشكل لا يقبل التأويل عمق الكذب والنفاق الدولي تجاه ما يجري من صراع في الاراضي الفلسطينية، فما يسمى بالمجتمع الدولي يكرر الصورة ذاتها التي جرت في الحروب السابقة من أن (اسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها) وفي ذات الوقت يدين إطلاق الصواريخ من قطاع غزة.

هذه العقلية العمياء التي تسمح لإسرائيل ان تواصل ارتكاب جرائمها بلا رادع، بل وبتشجيع من بعض الدول التي تدعي تبني شعارات حقوق الانسان والديمقراطية.

من الواضح ان سياسة المجتمع الدولي لم تتغير منذ سنوات، وهي سياسة تقوم على احترام القوى وتجاهل الضعيف والتعاطي مع الاحداث بمنطق الاحتكام الى القانون الدولي والانساني والذي يفسر على أنه مقاومة “الإرهاب” اينما كان بدون بحث أو دراسة عن الظالم والمظلوم.

إن تتبع تصريحات المجتمع الدولي خلال فترة الحرب، ورغم الصور والحقائق المضمخة بالدم التي تخرج من غزة، يثير موجة من الالم والضحك في ان واحد.

فهي لا تعبر الا عن (القلق) وتدعو الاطراف الى ضبط النفس وتدعو الى احترام القانون الدولي وتجنب المس بالمدنيين, لكنك تحس مدى الضعف والخور الذي ينتاب هذه التصريحات ان تقترب من حمى دولة الاحتلال ولو بكلمة ادانة!!

هذه الصورة النمطية يجب أن تفضح الحقيقة القائلة انه لا يوجد مجتمع دولي متناغم ومتوافق على سياسة واحدة وانه مجتمع قائم على المصالح لا على الاخلاق، وانه مجتمع يقف مع القوى لا مع الضعيف ومع الظالم لا مع المظلوم.

إن الذين يراهنون على المجتمع الدولي في معالجة الصراعات والنزاعات القائمة في الشرق الاوسط بالذات يجب ان يستيقظوا من الاوهام العميقة التي عاشوا عليها عقودا ان المجتمع الدولي يشكل حاضنة للعدالة الدولية وراعيا للقانون الدولي والانساني، وما الصراعات والحروب التي جرت في سوريا والعراق وليبيا واليمن الا أكبر دليل على المنطق والنهج الاعوج الذي ينتهجه المجتمع الدولي في معالجة هذه الحروب والصراعات.

(4) دروس من بين الانقاض والدم

هذه الحرب ستعلمنا الكثير الكثير!! ستعلمنا قبل كل شيء ان الحق الفلسطيني في الحرية والاستقلال لن يسقط تحت الضربات الهمجية ووسائل القتل والتدمير وانه صمد سبع عقود وقادر على أن يصبر ويصمد الا ما لا نهاية حتى يحقق احلامه بالحرية والاستقلال.

كما يعلمنا ان الوقوف امام دولة الاحتلال سهل ويمكن تحقيقيه بتوفر الارادة وادارة المعركة بشيء من الوعي والحكمة، ويعلمنا ان فلسطين, بعدالة قضيتها وصراعها, يمكن ان تستنفر الجماهير العربية والاسلامية واحرار العالم لتقف خلفها في هذه المعركة المصيرية.

كما تعلمنا إن الخير مغروس في نفوس الامة التي تتحين الفرصة لنصرة ودعم اهل فلسطين بكل الوسائل وانه لا مكان لليأس ابدا.

إن الحرب على غزة وبالرغم من كل ما لحق بها من دمار وخسائر تفتح الطريق امام معادلات جديدة وخارطة جديدة، سيكون لها الاثر الكبير على واقع الشرق الاوسط برمته.

قد لا يكون عاجلا لكنه يراكم الكثير من المعاني والمضامين التي ستعصف بالكثير من الاكاذيب والاساطير التي روج لها ذوو النفوس الضعيفة والمهرولين وراء التطبيع الوهمي والمؤمنين بخرافات التعايش والسلام مع دولة لا تعرف شيئا سوى الوحشية والعنصرية والقتل والتدمير.

العودة للأعلى