الفن والرواية الفلسطينيان رفيقا البندقية في خدمة ثوابت القضية

هنا تجد أحدث أخبار وفعاليات الشركة

الفن والرواية الفلسطينيان رفيقا البندقية في خدمة ثوابت القضية

بمشاركة مركز التأريخ والتوثيق الفلسطيني أحيت هيئة الثوابت الفلسطينية الذكرى الـ21 لانتفاضة الأقصى. وجرت أعمال المؤتمر في ثلاث جلسات، طُرحت فيها 11 ورقة علمية تناولت قضايا أدبية وتاريخية وفنية. وتحدث الناقد الأدبي د. عبد الفتاح أبو زايدة، في ورقة بحثية عن الذاكرة والحدث في الرواية الفلسطينية، معبرًا عنها بنموذج “ما لم تبح به امرأة” لمحمود العكشية. ويوضح أن الرواية الفلسطينية نشأت في فلسطين في أثناء الاحتلال البريطاني، ومثل بدايات أي أدب جديد فقد نشأت مثل غصن طريّ، لين العود، ثم أخذت تشتد شيئًا فشيئًا تحت عوامل التطور بفعل القراءة والتجارب الكتابية والحياتية. ويقول: “كذلك يكون للنقد الأدبي تأثيره في تطور الأدب، لأن النقد دراسة وتحليل وكشف لجوانب الضعف والقوة، إضافة إلى التطور الفكري والثقافي والحضاري والاجتماعي، تلك كلها عوامل مهمة في تطور الأدب”.
ويشير أبو زايدة إلى أن المكان الفلسطيني يمثل الدائرة الكلية للذاكرة، فالرواية تؤكد ثابتا تاريخيا أن اليهود اغتصبوا فلسطين اغتصابًا قام على المذابح والجرائم البشعة، في وقت كانت المنطقة العربية تعيش حالة ضعف. ويوضح أن رواية العكشية حملت مزجًا فنيًا بين الحدث والصراع، فالحدث إما أن يكون حدثًا داخليًا بين الفلسطينيين، وإما أن يكون حدثًا خارجيًا، والصراع يدور بالدرجة الأولى حول الثوابت بيننا وبين العدو الصهيوني. ويؤكد أبو زايدة أن الذاكرة الفلسطينية مليئة بأحداث تاريخية ميدانها الصراع مع العدو، “لتتحول مع الوقت إلى دروس مهمة بالغة التأثير في الأجيال، ومعنى ذلك أن الذاكرة تمثل سجلًا تاريخيًا ناطقًا بما حدث”. ومضى إلى القول: “تبقى الذاكرة البئر التي لا تنضب ماؤها لتسقي أشجار التاريخ في الأرض المغتصبة، وتكون عونًا ودافعًا للأجيال الجديدة التي لم تعش الأحداث السابقة ولكنها تتغذى عليها من خلال سماعها وما يخطر على بالها من أسئلة كثيرة يجيب عنها أصحاب الذاكرة، ومن إجاباتهم يكون التأكيد على ثبات الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني”.
وينبه أبو زايدة إلى أن لهذه الدراسة أهمية خاصة تمثلت في الكشف عن العلاقة بين الذاكرة والثوابت الفلسطينية وبين الحدث والثوابت، حيث إن الحدث وهو حركة الإنسان وعمله وعقله وتصرفه، ولكن هناك ذاكرة ترصده، ويصبح من مخزونها الذي يظهر عند الحاجة، وكل الظروف التي تمر بها تستدعي الذاكرة كي تمدها بما تحتاج إليه، “فالكبير يحدث الصغير، والصغير يتمثل ما حدث ويقارن بما يحدث، فالترابط متوافر بشكل عضوي بين هذا المثلث، الذي يتكامل في امتداداته وزواياه”.
ويؤكد أبو زايدة أن الرواية ترسم ملامح الشخصية الفلسطينية المتجددة في طموحها وآمالها وهمومها وآلامها، وفيما تقاسيه من الظروف المحيطة بها أو الطارئة عليها، ذلك لأن الشخصية تعد ركنًا مهمًا من أركان الرواية.
التعالقات النصية
وتحدثت الكاتبة شيماء أبو شقرة عن التعالقات النصية في شعر الثوابت الفلسطينية “القدس أنموذجًا”، مشيرة إلى الشعر الغزي الحديث زخر بأبهى أنماط التعالقات النصية، كالدينية، والتاريخية، والرمزية، والتراثية، والأسطورية. وترى أن التنوع جلي عند الشعراء الذين تتراوح أعمارهم من 20 إلى 39 عامًا، “في دليل واضح على ثقافتهم، وتسخير هذه الفئة الشبابية لتلك الأنماط خدمة للثوابت الفلسطينية خاصة القدس، دليل واضح على الوعي الوطني العالي”. وتلفت إلى أن الحصار الذي فرضه الاحتلال على القطاع تم بهدف تحييد الفكر الوطني عن مساره، “وقد باء بالفشل، فلا شيء ينسي الشباب الوطني ثوابته الفلسطينية بشكل عام والقدس بشكل خاص؛ فهي العاصمة الفلسطينية الأبدية”.
وتشير أبو شقرة إلى أن غاية فئة الدراسة من استخدام التعالقات النصية، هي استمالة المتلقي والتأثير فيه، ودب الروح الوطنية في أعماقه، وقد حرصوا على ربط الحاضر بالماضي؛ وذلك من خلال استلهام قصص الأبطال التاريخية، كصلاح الدين الأيوبي وقطز؛ لدب الأمل في نفس القدس، ولاستثارة الهمم نحو الحرية. وتوصي بضرورة اعتناء المؤسسات والجامعات الفلسطينية بشعر (الجيل الجديد) بشكل عام، وشعر (الثوابت الفلسطينية لهذا الجيل) بشكل خاص، وتنظيم أيام دراسية تحث طلبة الجامعات على تسخير مواهبهم سواء الأدبية أو غير الأدبية لخدمة الثوابت الفلسطينية خاصة قضية القدس.
رواية المنفى
وفي السياق ذاته تطرق الناقد الأدبي د. صخر الشافعي للحديث عن الثابت والمتغير في رواية المنفى “رجال غسان كنفاني” لعمرو العادلي أنموذجًا، عادًا الرواية جزءا ثانيا من رواية (رجال في الشمس) للكاتب ذاته، حيث قام الروائي بإحياء شخصية (مروان) بعد أن قرأنا أنه مات في رواية كنفاني، واستمر في رواية الأحداث وكأن الرواية ما زالت مستمرة لم تنتهِ، وبقيت الأحداث مستمرة زمنيًا حتى وصل إلى احتلال الصهاينة لسيناء، وأسرهم لبعض المصريين، ورواية ما يحدث لهم من تعذيب وإذلال في إشارة إلى أن العدو لا يفرق بين عربي وعربي، فالعربي الطيب هو العربي الميت، وإشارته للصحراء التي ترمز للموت والعذاب.
ومن جهتها تحدثت رسامة الكاريكاتير أمية جحا عن دور الفنان الفلسطيني في التمسك بالثوابت الفلسطينية، واتخذت الشيخ رائد صلاح نموذجًا، وتناولت في ورقتها البحثية مسيرته كرسام، “وهو ما يجهله معظم الناس”.
وتناولت نبذة قصيرة عن مولده ونشأته ثم تتبعت موهبته والعوامل التي ساهمت في اكتسابها، وكيف سخرها لخدمة قضايا وطنه، وتمسكه بالثوابت الفلسطينية خلال سنوات دراسته وعمله، وفترات اعتقاله المتعددة، مذيلة بنماذج من بعض رسوماته المنشورة. وتوصلت الباحثة من خلال الورقة إلى العديد من النتائج أهمها تأثر الشيخ صلاح في موهبته بالمحيط الفني العائلي المتوارث، والطبيعة التي عاشها في طفولته وحتى شبابه، حيث مارس الرسم في بدايات حياته، حتى يومنا هذا، إلا أنَّ انشغاله بقضية القدس جعله يقلل من ممارسته هذا الفن. وتلفت جحا إلى أن الطبيعة التي عاشها صلاح في طفولته طغت على رسوماته، وقد حملت بعض الرموز والدلالات، فالعواصف كانت ترمز للاحتلال والنكبة، والأشجار كانت تعني الصمود، والشمس كانت تعني الحرية.
وتوضح أن الاحتلال عمل على حرمان الشيخ صلاح من الرسم خلال فترات اعتقاله، إمعانًا في تقييد حريته في التعبير، وحربا نفسية ليرضخ لمطالبه في صرف قضية القدس من اهتماماته، وتعد فترة سجن الشيخ صلاح في بريطانيا، فترة خصبة فنيًا، استطاع برسوماته إيصال عدالة قضيته، والتأثير في تعاطف العالم الغربي معه.
وقد اعتاد الشيخ صلاح في رسوماته إبراز انتمائه للقدس على غير عادة الرسامين، فكان توقيعه برائد صلاح المقدسي، ليؤكد فيه التحام الهوى والهوية، وقد أولى من خلال المؤسسات الاجتماعية والثقافية التي ترعاها الحركة الإسلامية، أهمية كبيرة للرسم، وعمل على تسخيره في خدمة الأقصى والقرى العربية المحتلة. وتوصي الباحثة جحا بجمع ما أمكن من رسومات الشيخ صلاح غير المنشورة، للاطلاع عليها ودراستها وتمحيصها، خاصة أنها توثق أحداثا مهمة في تاريخ القضية الفلسطينية.
الأغنية الوطنية
في حين تطرقت الشاعرة والكاتبة الفلسطينية د. كفاح الغصين للحديث عن الأغنية الوطنية والثوابت الفلسطينية، وأكدت ضرورة جمع كل أغاني الثورة الفلسطينية في كتاب واحد؛ “لأن هذه الأغاني تعطي صورة واضحة عن الثقافة الفلسطينية، وصورة مشرقة عن مراحل نضال شعبنا الفلسطيني”. وتوصي بضرورة تسجيل أغاني الثورة الفلسطينية على أقراص مدمجة، وتوزيعها على مدارس السلطة الفلسطينية والمراكز الثقافية الفلسطينية في الداخل والخارج، وتدوين ألحان جميع هذه الأغاني بالنوتة الموسيقية حتى يتسنى لدارس الموسيقى أداءها عزفًا وغناءً. وتبين أهمية إجراء بحوث إضافية لجمع الأغاني الوطنية العربية التي تناولت القضية الفلسطينية، والعمل على دمج بعضها في المنهج الفلسطيني حتى يتسنى لأطفال فلسطين التعرف إليها، حيث أصبحت الأغنية الوطنية شكلًا من أشكال مقاومة الاحتلال.

العودة للأعلى