دراسة علميَّة محكَّمة.. “النظام الأبوي في السلطة الوطنية الفلسطينية”

هنا تجد أحدث أخبار وفعاليات الشركة

دراسة علميَّة محكَّمة.. “النظام الأبوي في السلطة الوطنية الفلسطينية”

1344517836 (1)

أصدر مركز الزيتونة دراسة علميَّة محكَّمة بعنوان: “النظام الأبوي في السلطة الوطنية الفلسطينية”، وهي من إعداد الباحث الأستاذ أشرف عثمان بدر. تهدف الدراسة إلى تحليل ودراسة نظام الحكم في السلطة الوطنية الفلسطينية منذ نشأتها سنة 1994 وحتى سنة 2020. وتسعى إلى الإجابة على سؤال مركزي يتعلَّق بماهية النظام في السلطة الفلسطينية، وقد تولَّد عن هذا السؤال عدة أسئلة فرعية، من أبرزها: ما مدى انتماء السلطة الفلسطينية للنمط النيوباتريمونيالي (الأبوية الجديدة)؟

فعقب توافق الحزبين الكبيرين على الساحة الفلسطينية، فتح وحماس، على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني، وتأكيد ذلك في المراسيم الصادرة عن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وإقرار معظم الفصائل الفلسطينية الذهاب للانتخابات عقب اجتماعها بالقاهرة في 8/2/2021، ثار جدل بين المهتمين بالشأن الفلسطيني حول إمكانية حلّ أزمة النظام السياسي الفلسطيني عبر الانتخابات، ورأى البعض أن الانتخابات مدخل للحل، فيما رأى الآخرون بأن أزمة النظام السياسي الفلسطيني بنيوية، وليست الانتخابات المدخل الأنسب لحلها.

يتفق كثير من الكتّاب والباحثين على وجود أزمة في السلطة، لكنهم يختلفون في تشخيص سبب هذه الأزمة. ومن خلال مراجعة الأدبيات التي تناولت موضوع أزمة السلطة لمس الباحث وجود ثلاث مقاربات. انطلقت أولها من نظريات التحول الديموقراطي لتحليل طبيعة السلطة الفلسطينية والتحولات على صعيد منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف)، فيما تتناول المقاربة الثانية أزمة السلطة من منظور اقتصادي تنموي، وذهبت المقاربة الثالثة لتناول الأزمة من منظور شكل الحكم وممارساته القمعية، وانتهاج السلطة أسلوب الحكم التسلطي، وما يلحقه من تراجع الشكل الديموقراطي للحكم، والحريات العامة، وما يرتبط بذلك من انتهاكات لحقوق الإنسان، والتي تمثلت بالتضييق على وسائل الإعلام، بالإضافة إلى انتشار الفساد وغياب الشفافية.

واستعان الأستاذ أشرف بدر في دراسته بمنهجية متعددة التخصصات، مع إجراء مسح للأدبيات المتعلقة بالموضوع، وبالرجوع إلى المنشورات الصادرة عن السلطة، وإجراء المقابلات والمشاهدة. وخلصت الدراسة إلى أن السلطة تعاني من “مأزق” بنيوي؛ يحول دون نجاح كل محاولات إصلاحها، ما دفعه للاستنتاج بأنّ هذا المأزق أعمق من أنّ يحله مجرد إجراء الانتخابات، فإجراؤها قد يعيد إنتاج المأزق، لأنه غير مقتصر على فقدان الشرعية السياسية، بل يتعداه إلى شكل النظام السياسي، الذي يغلب عليه صفة النيوباتريمونيالية (الأبوية الجديدة)، وما نلمسه من فساد، وانتهاك لحقوق الإنسان، وتآكل للشرعية هي أعراض لمعضلة نيوباتريمونيالية السلطة.

وأشار الباحث إلى وجود عوامل ذاتية وموضوعية تؤثر على بنية النظام السياسي للسلطة الفلسطينية. من هذه العوامل ما وقّعت عليه السلطة من اتفاقيات، وما التزمت به من شروط دولية، والتي تحول دون انعتاقها من الشكل النيوباتريمونيالي. فلو افترضنا توفر الإرادة عند الفاعلين السياسيين للتحول الديموقراطي وتبني النظام الدستوري القانوني، فلن يتمكنوا من ذلك، بفعل العامل الخارجي. كمؤشر على ذلك: عدم تعاطي الدول الغربية مع نتائج انتخابات 2006؛ وتجسد ذلك بشروط الرباعية، واعتقال الاحتلال لنواب حماس.

ورأى الأستاذ أشرف بدر أن السلطة الفلسطينية بنيت للقيام بدور وظيفي وهو حفظ الأمن والهدوء، وتمّ تقييدها باتفاقيات والتزامات تتضمن “التنسيق الأمني”. ولأنّ تحقيق الهدوء هو الهدف الأسمى للدول التي رعت إنشاءها، تمّ التغاضي عن الحكم الفردي للرئيس عباس، وذلك لحاجتهم إلى شريك يعمل بموجب شروط الرباعية. ورأى أنّ أي محاولة للتحلل من هذه الالتزامات ستصطدم بحقيقة اعتماد هذه السلطة في مواردها على عائدات الضرائب (المقاصة) التي تتحكم فيها “إسرائيل”. ومن ثم لا تستطيع مرجعية السلطة المتمثلة بمنظمة التحرير اتخاذ أي خطوة في اتجاه تغيير “نهج” السلطة أو “دورها الوظيفي” طالما أنها تخضع للشروط التي تكونت بموجبها السلطة.

ذلك أن السلطة قد تحولت عن الهدف الذي أنشأت من أجله وهو إقامة “الدولة”، وتحقق ما كان يخشاه مهندس اتفاقية أوسلو وهو الرئيس عباس؛ بقوله: “هذا الاتفاق هو عبارة عن قاسم مشترك بين عدوين، وهو يحمل في أحشائه إمكانية إقامة دولة مستقلة، إلا انّه قد يتحول إلى تكريس للاحتلال لسنوات أخرى”. وبالفعل تحولت السلطة وأجهزتها الأمنية من مؤسسات أنشأت لتحقيق هدف “الدولة” المستقلة، إلى مؤسسة تهدف للحفاظ على بقائها، حتى لو كان الثمن تكريس الاحتلال. فهي تناضل بالدرجة الأولى كي تبقى حية، تدافع بكل قوة عن وجودها وعن استمرارها، بالرغم من عدم تحقيق الهدف الذي أنشأت من أجله، لأن هنالك شبكة من المصالح والمنتفعين من وجود هذه المؤسسة. لقد تمّ “تصميم” هذه السلطة كي تحافظ على موظفيها الذين يعدون بعشرات الآلاف وارتبطت مصالحهم وأمورهم المعيشية بوجودها، بغض النظر عن “دورها الوظيفي”. فمن يريد الخروج من المأزق، وتغيير “نهج” السلطة عليه أن يغير “بنيتها” وهذا أمر قد يكون صعباً، وربما كان الأقرب للتحقق أن يغير من بنيته ليعود مرة ثانية حركة تحرر وطني، لا يتقيد بأي التزامات، فالتجربة أثبتت صعوبة إن لم يكن استحالة الجمع بين “نهج” السلطة و”نهج” حركة التحرر الوطني.

العودة للأعلى